نصر حامد أبو زيد

35

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا . « 1 » . ولكن علينا أن نلاحظ أن النص هنا وهو يصوغ الواقع يصوغه بطريقة بنائية خاصة تعيد تركيبه في نسق جديد . ويكفي أن نلاحظ هنا ذلك التداخل الدلالي في استخدام الضمائر . وإذا كانت السورة تبدأ بمخاطبة الرسول « قل أوحي اليه أنه . . . » فإن ما يلي ذلك يبدو في المستوى الظاهر حكاية لما قاله الجن بعد أن استمعوا إلى القرآن . ولكننا نلاحظ أن الآية الأولى في الاستشهاد السابق - وهي الآية الرابعة في السورة - تتسق مع ما سبقها من آيات السورة في دلالة الضمائر حيث يشير ضمير المتكلمين فيها كلها إلى الجن ، وذلك على عكس الآيات التالية لها - الآيات ( 5 ) ، ( 6 ) ، ( 7 ) - حيث نلاحظ أن ضمير المتكلم « نا » في « أنا » وفي « ظننا » من الضروري أن يكون دالا على متكلم آخر غير الجن ، إلا إذا اعتبرنا أن الآية تعتمد على « التجريد » حيث يجرد المتكلم من نفسه شخصا آخر يشير اليه باسم أو بضمير الغائب . ولكن هذا الافتراض يعوقه استخدام ضمير الغياب في « ظنوا » إشارة إلى الإنس ، وضمير المخاطب في « ظننتم » إشارة إلى الجن في الآية رقم ( 7 ) . ومعنى هذا التداخل الدلالي في استخدام الضمائر أن صوت الجن ليس صوتا مستقلا في النص فان صوت المتكلم الأصلي في النص يقطع هذا الصوت بين الحين والآخر بحيث يكون حضور الجن حضورا مشروطا . هذا بالإضافة إلى أن بدء السورة بفعل الأمر « قل » والمخاطب بهذا الفعل محمد ، يجعل صوت الجن في مستوى تال لصوت المتكلم الأول ( اللّه ) من جهة وصوت المخاطب ( محمد ) من جهة ثانية . وأخيرا يأتي في المرتبة الثالثة صوت الجن . وفي الآيات التالية يبرز صوت الجن بروزا واضحا ، ولكن هذا صوت اسلامي ، ثم يخفت ليفسح المجال لصوت المتكلم الأول : وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا . وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا . وهنا ينتهي صوت الجن تماما ليبرز الصوت الأول حتى نهاية السورة . وألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا . لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا . « 2 » إن النص هنا وان كان يمثل الواقع الذي ينتمي اليه يعيد تشكيل هذا الواقع من خلال آلياته اللغوية الخاصة . لقد صار الجن في النص جنا مؤمنا مسلما يدين سلوكه السابق

--> ( 1 ) سورة الجن : الآيات 4 - 9 . ( 2 ) سورة الجن : الآيات 14 - 17 .